محمد بن لطفي الصباغ

84

لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير

وقد كتب الجاحظ مقالة في موضوع الاعجاز أرى أن أوردها هنا ، فإنها مقالة جديرة بالاهتمام ، قال الجاحظ : ( بعث اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلم أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا ، واحكم ما كانت لغة ، وأشد ما كانت عدة ، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد اللّه ، وتصديق رسالته ، فدعاهم بالحجة ، فلما قطع العذر ، وأزال الشبهة ، وصار الذي يمنعهم من الاقرار الهوى والحمية دون الجهل والحيرة ، حملهم على حظهم بالسيف . فنصب لهم الحرب ، ونصبوا له وقتل من عليتهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم ، وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن ، ويدعوهم صباحا ومساء إلى أن يعارضوه إن كان كاذبا بسورة واحدة ، أو بآيات يسيرة ، فكلما ازداد تحديا لهم بها ، وتقريعا لعجزهم عنها ، تكشف عن نقصهم ما كان مستورا ، وظهر منه ما كان خفيا ، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له : أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف ، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا ، قال : فهاتوها مفتريات . فلم يرم ذلك خطيب ، ولا طمع فيه شاعر . . . فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم ، وسهولة ذلك عليهم ، وكثرة شعرائهم ، وكثرة من هجاه منهم ، وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته ، لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله ، وأفسد لأمره ، وأبلغ في تكذيبه ، وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس ، والخروج من الأوطان ، وإنفاق الأموال . وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات ، ولهم القصيد العجيب ، والرجز الفاخر ، والخطب الطوال البليغة ، والقصار الموجزة ، ولهم الاسجاع والمزدوج ، واللفظ المنثور ، ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم . فمحال - أكرمك اللّه - أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر ، والخطأ المكشوف البين ، مع التقريع بالنقص ، والتوقيف على العجز ، وهم أشد الخلق أنفة ، وأكثرهم مفاخرة ، والكلام سيد عملهم ، وقد احتاجوا اليه ،